أبو حامد الغزالي

155

تهافت الفلاسفة

إمكان النقصان والزوال ، والكمال الحاصل له فوق كل كمال ، فحبه وعشقه لذلك الكمال فوق كل إحباب ، والتذاذه به فوق كل التذاذ ، بل لا نسبة للذاتنا إليها البتة ، بل هي أجل من أن يعبر عنها باللذة والسرور والطيبة ، إلا أن تلك المعاني ليست لها عبارات عندنا ، فلا بد من الإبعاد في الاستعارة ، كما نستعير له لفظ المريد ، والمختار والفاعل ، منا ، مع القطع ببعد إرادته عن إرادتنا ، وبعد علمه وقدرته عن علمنا وقدرتنا ، ولا بعد في أن تستبشع لفظة اللذة ، فيستعمل غيرها . والمقصود أن حاله أشرف من أحوال الملائكة ، وأحرى بأن يكون مغبوطا ، وحال الملائكة أشرف من أحوالنا ، ولو لم تكن لذة إلا في شهوة البطن والفرج ، لكان حال الحمار والخنزير أشرف من حال الملائكة ، وليست لها لذة - أي للمبادئ من الملائكة المجردة عن المادة - إلا في السرور بالشعور بما خصوا به من الكمال والجمال الذي لا يخشى زواله ، ولكن الذي للأول فوق الذي للملائكة ، فإن وجود الملائكة - التي هي العقول المجردة - وجود ممكن في ذاته ، واجب الوجود بغيره ، وإمكان العدم نوع شر ونقص ، فليس شئ بريئا عن كل شر مطلقا سوى الأول ، فهو الخير المحض ، وله البهاء والجمال الأكمل ، ثم هو معشوق ، عشقه غيره أو لم يعشقه ، كما أنه عاقل ومعقول ، عقله غيره أو لم يعقله ، وكل هذه المعاني راجعة إلى ذاته ، وإلى إدراكه لذاته ، وعقله له « 1 » ، وعقله لذاته ، هو عين ذاته ، فإنه عقل مجرد ، فرجع الكل إلى معنى واحد . فهذا طريق تفهيم « 2 » مذهبهم .

--> ( 1 ) أي لما سماه « كل هذه المعاني » . ( 2 ) إذا كان كل ما ذكر من أول المسألة إلى هذا الموضع تفهيما لمذهب الفلاسفة ، فأية قيمة بقيت لكتابه « مقاصد الفلاسفة » الذي يقول في مقدمته : « أما بعد ، فإني التمست كلاما شافيا في الكشف عن تهافت الفلاسفة ، وتناقض آرائهم ، ومكامن تلبيسهم وإغوائهم ، ولا مطمع في إسعافك إلا بعد تعريفك مذهبهم ، وإعلامك معتقدهم ، فإن الوقوف على فساد المذاهب ، قبل الإحاطة بمداركها ، محال ، بل هو رمى في العماية والضلال ؛ فرأيت أن أقدم على بيان تهافتهم ، كلاما وجيزا ، مشتملا على حكاية مقاصدهم ، من علومهم المنطقية ، والطبيعية ، والإلهية ، من غير تمييز بين الحق منها ، والباطل ، بل لا أقصد إلا تفهيم غاية كلامهم من غير تطويل بذكر ما يجرى مجرى الحشو والزوائد الخارجة عن المقاصد ، وأورده ، على سبيل الاقتصاص والحكاية ، مقرونا بما اعتقدوه أدلة لهم . . . إلخ . » أقول : إذا كان الغزالي قد أفرد لحكاية مذاهب الفلاسفة كتابا برأسه ، صور فيه تلك المذاهب توطئة للرد عليها ، فأية داعية لهذا التطويل هنا في حكاية مذهبهم ؟ ! ، بل أية قيمة تبقى لهذا الكتاب الذي سماه « مقاصد الفلاسفة » ، بعد ما أغنانا عنه هنا بشرح المسائل التي يريد الرد عليها ، على هذا النحو من الإسهاب والتطويل ؟ ! الذي يظهر لي أن الشرح هنا جاء في موضعه ، ليرتبط تصوير المذهب بالرد عليه ، أما أن يكون كل منهما في كتاب ففيه تشتيت للفكر وتوزيع للذهن . وأما الذي دعا الغزالي إلى أن يؤلف كتاب « مقاصد الفلاسفة » فليس هو وحده ما يقصه علينا في تلك المقدمة التي اقتبسنا بعضها هنا ، وإنما هو شئ آخر وراء ذلك أو هو شئ آخر مع ذلك ؛ استمع إليه يقص علينا سبب تأليفه كتابا يصور فيه مذهب الباطنية قبل أن يشتغل بالرد عليهم قال : « فابتدأت بطلب كتبهم ، وجمع مقالاتهم ، وكان قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر ، لا على المنهاج المعهود من سلفهم ، فجمعت تلك الكلمات ، ورتبتها ترتيبا محكما ، مقارنا للحق ، واستوفيت الجواب عنها ، حتى أنكر أهل الحق منى ، مبالغتى في تقرير حجتهم ، وقال : هذا سعى لهم فإنهم كانوا يعجزون عن نصرة مذهبهم ، لولا تحقيقك له ، وترتيبك إياه ؛ وهذا الإنكار من وجه حق ، فلقد أنكر أحمد بن حنبل ، على الحارث المحاسبي - رحمهما اللّه - تصنيفه في الرد على المعتزلة ، فقال الحارث : الرد على البدعة فرض ؛ فقال أحمد : نعم ، ولكن حكيت شبهتهم أولا ، ثم أجبت عنها ، فيم تأمن أن يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه ، ولا يلتفت إلى الجواب ، أو ينظر إلى الجواب ، ولا يفهم كنهه ؟ ! وما ذكره أحمد حق ، ولكن في شبهة لم تنتشر ، ولم تشتهر ، فأما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب ، ولا يمكن الجواب عنها ، إلا بعد الحكاية ؛ نعم ينبغي ألا يتكلف لهم شبهة ، ولم أتكلف أنا ذلك ، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من واحد من أصحابي المختلفين إلى ، بعد أن كان قد التحق بهم ، وانتحل مذهبهم ، وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم ، فإنهم لم يفهموا بعد حجتهم ، وذكر تلك الحجة وحكاها عنهم ؛ فلم أرض لنفسي أن يظن بي الغفلة عن أصل حجتهم ، فلذلك أوردتها ؛ ولا أن يظن بي أنى - وإن سمعتها - فلم أفهمها ، فلذلك قررتها ، والمقصود أنى قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ، ثم أظهرت فسادها بغاية البرهان » . فهذا الذي حدا بالغزالي إلى أن يؤلف في تصوير مذهب « الباطنية » قبل الرد عليهم ، هو نفسه الذي حدا به ، إلى أن يؤلف في تصوير مذهب « الفلاسفة » قبل أن يرد عليهم - لا ما حكاه لنا في مقدمة « مقاصد الفلاسفة » - إذ أن الغزالي كان يشعر شعورا قويا بأن المتكلمين من قبله لم يوفقوا في الرد على الفلاسفة نتيجة لعدم فهمهم لمذهبهم ، استمع إليه يقول : « ولم يكن في كتب المتكلمين ، من كلامهم - يعنى الفلاسفة - حيث اشتغلوا بالرد عليهم ، إلا كلمات معقدة مبددة ، ظاهرة التناقض والفساد ، لا يظن الاغترار بها بغافل عامي ، فضلا عمن يدعى دقائق العلوم ، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمى في عماية » . وهو لذلك يعلم أن الفلاسفة كانوا يعيبون فيهم هذا النقص ، فأراد أن يتجمل بالبراءة منه ، بتأليف هذا الكتاب « مقاصد الفلاسفة » ، وإلا فما باله يطيل في كتاب « تهافت الفلاسفة » شرحا وإيضاحا بما يجعلنا في غنى مطلق عن ذلك الكتاب ؟ ! وما باله أيضا يتعرض في ذلك الكتاب لما لم يكن موضع خلاف بينه وبين الفلاسفة ، فقد تعرض فيه لجميع مسائل المنطق وليس يخالفهم في شئ منها كما صرح بذلك في كتاب « التهافت » وتعرض لكل مسائلهم الطبيعية ، وليس يخالفهم إلا في مسائل معدودة منها ؟ ! في حين أنه قد أسعفنا في « التهافت » بشرح ما يريد الرد عليه من آرائهم ، وعرضه عرضا واضحا ، قبل الرد عليه ، بحيث لا يشعر القارئ ، بأنه في حاجة إلى شئ آخر أصلا ، فلا بد أن يكون لتأليف « مقاصد الفلاسفة » غرض آخر وراء التمهيد لكتاب تهافت الفلاسفة ، وهو ما أوضحناه سابقا .